عمر بن سهلان الساوي
328
البصائر النصيرية في علم المنطق
إذا لم تجد الا واحدة والأخرى لا تشارك المطلوب ولا رفيقتها فيستدعى
--> تظهر بالعمل وان نواميس الوجود تمكن مراعاتها » فان البحث عن تمام الدليل في هاتين المقدمتين لا يفيد لان هناك نقصا فاحشا في الدليل . فقد أغفل المستدل أهم أركان دليله وهو أن الّذي يعمل لاظهار آثار القوى وتمكنه مراعاة نواميس الكون هو المفكر وان سليم الفطرة من الانسان مفكر فكأنه أشم رائحة الدليل وأرشد للبحث عنه فقط ، أما هو بنفسه فلا وجود له في كلامه . وكذلك الحال لو وجدت المشاركة بين مقدمة واحدة وبين المطلوب في أحد أجزائه ولم تجد في البقية ما يشاركه ولا ما يشارك تلك المقدمة كما لو أضفت على المقدمتين السابقتين قولك : « وكل انسان متفكر » فإنها تشارك المطلوب في موضوعه أو أضفت إليهما وكل من يتمكن من قياس بعض المعلومات إلى بعض أمكنه الاختراع فلانها تشاركه في محموله ولا تجد مشاركة بين البقية وبينه ولا بينها وبين رفيقتها فالنقص وان لم يكن في هذه الحالة بالغا مبلغه في سابقتها غير أنه لا يزال مجاوز اللحد والاشتغال بالتحليل لا يفيد . وقد يكون المستدل ممن تثق بعلمه فتضطر إلى احترام دليله والبحث في تحليل ما أو رده من المقدمات تحليلا أدق مما أشار إليه وتعليم ذلك يحتاج إلى تطويل كما قال المصنف ولكن لا بأس بالإشارة إليه : يمكنك أن تنظر في المثال السابق ، فتجد لفظ المراعاة ولفظ تظهر بالعمل فتأخذ من قول المستدل انه يريد بالمراعاة المطالعة بالفكر والمراجعة بالنظر العقلي ومقارنة أحكام كل ناموس بأحكام غيره مما يوافقه أو ينافر . وان نواميس الوجود لا تبعد عن نواميس المخلوقات فان الوجود قد يعمها والبحث عنها لمراعاتها قد يؤدى إلى البحث في قوى المخلوقات ما يخفى أثره منها وما يظهر ، فإذا كان ظهور الآثار لهذه القوى بالعمل فما هو العمل الا ان يكون العمل الاختياري الّذي يصدر عن قدرة من يراعى تلك النواميس وينظر في شؤون تلك القوى وما ظهورها به الا أن تتجلى في صورة لم تكن معروفة من قبل ، وهل معنى هذا الا الاختراع ، غير أن هذا التحليل ليس تحليل مقدمات موجودة تامة . وانما هو تحليل أصول لأفكار أدمجها صاحبها في هذه المقدمات قد لا يعنى بالبحث عنها الا مكلف باحترامه ، كلف بحراسته في سمو مقامه وأسهل منه بحث عن الدليل في غير كلامه .